محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

246

الآداب الشرعية والمنح المرعية

قال : " حسبك يا علي " " 1 " وذكر أبو نعيم في الطب النبوي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رمدت عين امرأة من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينها " 2 " . الرمد ورم حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين وهو بياضها الظاهر وسببه انصباب أحد الأخلاط الأربعة أو ريح حارة تكثر كيميتها في الرأس والبدن فينبعث منها قسط إلى جوهر العين أو يضربه نصيب العين فترسل الطبيعة إليها من الدم والروح مقدارا كثيرا تروم بذلك شفاءها مما عرض لها ولأجل ذاك يورم العضو المضروب ، والقياس يوجب ضده . واعلم أنه كما يرتفع من الأرض إلى الجو بخاران أحدهما حار يابس والآخر حار رطب فينعقدان سحابا متراكما ويمنعان أبصارنا من إدراك السماء فكذلك يرتفع من قعر المعدة إلى منتهاها مثل ذلك فيمنعان الفكر ويتولد عنهما علل شتى . فإن قويت الطبيعة على ذلك ورفعته إلى الخواشيم أحدث الزكام ، وإن دفعته إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخناق ، وإن دفعته إلى الجنب أحدث الشوصة ، وإن دفعته إلى الصدر أحدث النزلة ، وإن انحدر إلى القلب أحدث الخبطة ، وإن دفعته إلى العين أحدث رمدا ، وإن انحدر إلى الجوف أحدث السيلان ، وإن دفعته إلى منازل الدماغ أحدث النسيان ، وإن ترطبت أوعية الدماغ منه وامتلأت به عروقه أحدث النوم الشديد ، ولذلك كان النوم رطبا والسهر يابسا وإن طلب البخار النفوذ من الرأس فلم يقدر عليه أعقبه الصداع والسهر ، وإن مال البخار إلى أحد شقي الرأس أعقبه الشقيقة ، وإن ملك قمة الرأس ووسط الهامة أعقبه داء البيضة وإن برد منه حجاب الدماغ أو سخن أو ترطب وهاجت منه أرياح أحدث العطاس . وإن أهاج الرطوبة البلغمية فيه حتى غلب الحار الغريزي أحدث الإغماء والسكات ، وإن أهاج المرة السوداء حتى أظلم هواد الدماغ أحدث الوسواس ، وإن أفاض ذلك إلى مجاري العصب أحدث الصرع الطبيعي ، وإن ترطبت مجامع عصب الرأس وفاض ذلك في مجاريه أعقبه الفالج ، وإن كان البخار من مرة صفراء ملتهبة محمية الدماغ أحدث البرسام ، فإن شركة الصدر في ذلك صار سر ساما . واعلم أن الأخلاط هائجة وقت الرمد والجماع يزيدها فإنه حركة كلية للبدن والروح والطبيعة فالبدن يسخن بالحركة ، والنفس تشتد حركتها طلبا للذة وكمالها . والروح تتحرك تبعا لحركة النفس والبدن ، فإن أول تعلق الروح من البدن بالقلب ومنه تنشأ الروح وتنبث في

--> ( 1 ) أخرجه المحاملي في أماليه وفي سنده إسحاق بن محمد الغزوي ضعيف ، وله طريق أخرى أخرجها ابن السني ( ص 120 ) وأبو نعيم معا في الطب ، وحكم السيوطي عليها بحسن إسنادها انظر كنز العمال ( 28473 ، 28471 ) . ( 2 ) موضوع . أخرجه أبو نعيم عن أم سلمة في كتاب الطب ( ص 49 ) ، وفي إسناده حصين بن مخارق يضع الحديث .